مراحل النقـــد المسرحي المغـــربي ومقارباته المنهجية

 

د.جميل حمداوي

توطئــــة:

 

عرف المسرح المغربي الحديث والمعاصر إبان القرن العشرين مجموعة من المقاربات النقدية،
التي كانت تستهدف قراءة الإبداع الدرامي تحليلا وتقويما وتوجيها وأرشفة. وقد بدأ
النقد المسرحي بالمغرب في شكل كتابة صحفية انطباعية تأثرية، كانت تتمظهر بشكل جلي
في المقالات المنشورة في الجرائد والمجلات الوطنية والعربية والدولية على حد سواء.
بيد أن المسرح المغربي سيعرف تحولا نوعيا في سنوات السبعين والثمانين، وذلك مع
مجموعة من الباحثين والدارسين الأكاديميين الذين تناولوا المسرح إبداعا ونقدا
ونظرية، وذلك في شكل رسائل وأطروحات وأبحاث جادة ورصينة، أنجزت  في رحاب المعاهد والجامعات المغربية من جهة، وفي نظيراتها الفرنسية من جهة أخرى. علاوة على ذلك، سينفتح النقد المسرحي المغربي، ابتداء من الثمانينيات إلى غاية العقد الأول من الألفية الثالثة، على مجموعة من المناهج
النقدية الأكثر تجريبا ومعاصرة، مستفيدا في ذلك، بطريقة من الطرائق، من نظريات
الحداثة وما بعد الحداثة في الغرب. ويعني هذا أن المسرح المغربي قد عرف مجموعة من
المراحل التاريخية في تطوره الجدلي بنية ومرجعا. ويتماثل هذا التطور الفني والدرامي،
بطبيعة الحال، مع تطور المجتمع المغربي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفنيا.
وقد ترتب عن كل هذا أن شهد النقد المغربي مجموعة من الطفرات على مستوى النظرية
والتطبيق والرؤية.إذاً، ماهي أهم المراحل التاريخية التي مر بها النقد المسرحي
المغربي ؟ وماهي أهم المقاربات النقدية التي عرفها هذا النقد ؟ وماهي مميزات النقد
المسرحي المغربي على مستوى النظرية والتطبيق والرؤية؟ تلكم هي أهم الأسئلة التي
سوف نحاول الإجابة عنها في هذه الورقة الميتانقدية.

u مراحـــل النقد المسرحي بالمغـــرب:

 عرف النقد المسرحي المغربي في تطوره الفني والجدلي مجموعة من المراحل التاريخية، التي تتداخل
فيها البنيات النصية الدرامية مع المرجع الخارجي، وذلك بكل مستوياته السياسية
والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية والأنطروبولوجية. وتمتد
صيرورة النقد المسرحي المغربي من فترة الحماية من القرن العشرين إلى العقد الأول
من الألفية الثالثة. وفي هذا السياق، يمكن التمييز بين مجموعة من المراحل
التاريخية في شكل ثوابت دالة وبنيات مميزة لكل مرحلة معينة، مع العلم أن كل هذه
المراحل التاريخية وهذه الثوابت البنيوية متداخلة في بعضها البعض.إذاً، فمن الصعب
الحديث عن فترات متعاقبة ومتسلسلة زمنيا . وهكذا، يمكن الإشارة إلى المراحل والثوابت
البنيوية التالية:

1- مرحلــة الـــذوق: بدأ النقد المسرحي المغربي منذ فترة الحماية ذوقيا وانطباعيا وذاتيا
وتأثريا، يعتمد في ذلك على الذوق العاطفي في تقويم النصوص سلبا وإيجابا. وكان هذا
النقد الانطباعي يرتكز على التعريف الصحفي بالمسرح المغربي تأليفا وعرضا وإبداعا
وتشخيصا وإخراجا ؛ لأن أغلب هذه الانتقادات كانت منشورة في الجرائد والمجلات.ومن
ثم، يستوجب الحيز الصحفي غالبا أن يكون المقال مركزا وملخصا ومكثفا، دون تطويل أو
إطناب أو إسهاب. ومن ثم، كان  الناقد الانطباعي يلتجئ قسرا إلى تلخيص مضامين المسرحيات مضمونا وشكلا ، وذلك تكيفا مع شروط الكتابة الصحفية، مع إبراز بعض المكونات الدلالية والفنية والجمالية
للمسرحيات المشاهدة، من خلال التشديد على الصراع الدرامي، وتبيان خصوصيات اللغة
والحوار والديكور… وعلى العموم ، فقد  كان هذا النقد انطباعيا تأثريا في مجمله، يقوم
على التسرع في إصدار الأحكام، والميل إلى التعميم الشمولي، والتحيز في الأحكام، والاكتفاء
بالتلخيص المبتسر، دون التعمق في الجوانب الدراماتورجية التي تتعلق بالممارسة
المسرحية، وتشغيل الذوق والعاطفة في قراءة النصوص والعروض المسرحية تحليلا وتقويما
وتوجيها، دون الاحتكام إلى المقاييس الموضوعية، أو تمثل المعايير العلمية في الفهم
والتفسير والتأويل.

2-مرحلـــة المرجــــع: من المعلوم، أن النقد المسرحي المغربي سيتحول منذ سنوات
السبعين من القرن العشرين إلى نقد مرجعي خارجي ، يحتكم إلى المعطيات المرجعية ،
كالتحقيب التاريخي، والأرشفة الببليوغرافية، والتأويل الاجتماعي، والتأويل السوسيولوجي،
إما بطريقة مباشرة كالمنهج الاجتماعي الإيديولوجي القائم على الانعكاس المرآوي، وإما
بطريقة غير مباشرة تستند إلى البنيوية التكوينية، بالإضافة إلى التحليلين: الفلسفي
والديني في مقاربة الإبداع المسرحي تجنيسا ورؤية وبناء وتشكيلا. وهكذا، ترد إلى
أذهننا أسماء نقدية لامعة في مجال النقد ذي المرجع التاريخي، كحسن المنيعي، وعباس
الجراري، وإبراهيم السولامي، ومحمد عزام، ومصطفى بغداد، ومحمد الكغاط، ورشيد
بناني، ومصطفى عبد السلام المهماه، وعبد الله شقرون، ومحمد صادق العفيفي، و جميل
حمداوي، وعبد الواحد عوزري، وحسن السايح، ومحمد أديب السلاوي… ونستحضر ضمن
المرجع الاجتماعي الإيديولوجي نجيب العوفي بصفة خاصة، ونستدعي في إطار البنيوية
التكوينية عبد الرحمن عبد الوافي من باب التمثيل ليس غير. في حين، هناك مجموعة من
الباحثين الذين اهتموا بالمرجع الببليوغرافي، كمحمد يحيى قاسمي، ومصطفى رمضاني،
وجميل حمداوي، والعربي بن جلون، والمهدي الودغيري، ومصطفى بغداد، وعبد الرحمن
طنكول… ويمكن أيضا استحضار المرجع الأنطروبولوجي، كما يتضح ذلك جليا عند: حسن
بحراوي، وحسن يوسفي، وأحمد بلخيري، وعبد الله حمودي… ومن ناحية أخرى،  يمكن الحديث عن المرجع الديني عند محمد بن الصديق، والمرجع الفلسفي عند عبد الواحد بن ياسر…

3- مرحلـــة النــص: نعني بمرحلة النص ارتكاز النقد المسرحي على النص الأدبي باعتباره
عالما موضوعاتيا، يحمل في طياته مضامين وأفكارا وموضوعات ومحتويات. وهنا، نتحدث عن
النقد المسرحي الموضوعاتي أو المضموني من جهة أولى . أو يرتكز ذلك النقد على النص
المعطى، باعتباره عالما بنيويا مغلقا. وهنا، يتم الحديث عن البنيوية أو البويطيقا من
جهة ثانية. أو يتعامل مع النص باعتباره علامات وإشارات ورموزا وأيقونات. وهنا، يتم
الحديث عن المقاربة السيميائية من جهة ثالثة. وقد بدأ الاهتمام بمرحلة النص بنيويا
وسيميائيا ابتداء من سنوات الثمانين إلى غاية سنوات العقد الأول من الألفية
الثالثة. وفي هذا الصدد، يمكن الحديث عن سعيد يقطين، ورشيد بناني، وعز الدين
بونيت…بينما النقد المضموني أو الموضوعاتي كان معروفا بشكل من الأشكال منذ فترة
الحماية لدى النقاد  المسرحيين الانطباعيي أنفسهم، ليتبلور هذا النقد بشكل أكاديمي وعلمي مع مجموعة من الباحثين المغاربة،كعباس الجراري، وحسن المنيعي، وعبد الرحمن بن زيدان، ومصطفى رمضاني، ولطيفة بلخير، ويونس لوليدي، وحسن يوسفي…

4- مرحلـــة النظريــة: تعد مرحلة النظرية أو التنظير المسرحي من أهم المراحل التي عرفها النقد
المسرحي بالمغرب منذ منتصف السبعينيات من القرن الماضي. فقد شهدت هذه المرحلة
سجالا نقديا طويل الأمد، وما يزال هذا النقاش مستمرا إلى يومنا هذا. ومن المعروف
أن النظرية عبارة عن تصورات صورية مجردة أو مقولات ومبادئ عقلية كلية، تتسم
بالتعميم، والتجريد، ووصف الظواهر الواقعية التجريبية بشكل من الأشكال. وتختلف
النظرية من حقل إلى آخر، فالنظرية في مجال العلوم التجريبية ليست هي النظرية في
مجال العلوم الإنسانية، فهناك دائما في المجال الإنساني، على الرغم من وجود
الاستقراء الموضوعي والوصف العلمي ، نوع من النسبية والتقريبية والتحيز الذاتي.
بمعنى أنه من المستحيل الحديث عن الموضوعية واليقين المطلق في العلوم الإنسانية،
مادام الموضوع مختلطا بالذات على صعيد التعامل المنهجي. ومن هنا، يمكن الحديث عن
النظريات المسرحية من باب النسبية ليس إلا.وهكذا، نجد مجموعة من التصورات النقدية
ذات الطابع النظري عند كل من : عبد الكريم برشيد، ومحمد مسكين، والمسكيني الصغير،
وعبد القادر عبابو، ومحمد الكغاط، ولحسن قناني، وجميل حمداوي، ومحمد ظريف، ونوال
بنبراهيم…

5- مرحــلة الصـــورة المسرحيـــة: من المعروف أن المقاربة البلاغية ترتكز كثيرا على
دراسة الصورة المسرحية بنية ودلالة ووظيفة.لذا، أصبحت هذه الصورة بكل مكوناتها
وسماتها ميسما لبلاغة المسرح بصفة خاصة، والنقد المسرحي بصفة عامة. ومن أهم الذين
اهتموا بالصورة المسرحية، نذكر على سبيل التمثيل: محمد أنقار وتلميذه جميل حمداوي[1]
على سبيل التمثيل.

6-مرحلة القراءة أو التلقي: تستند هذه المرحلة إلى مناقشة العروض المسرحية أو
دراسة الكتابات الدرامية في ضوء جمالية التلقي أو التقبل كما عند آيزر ، ويوس،
وستانلي فيش…وترتبط هذه المرحلة بنظريات ما بعد الحداثة التي تجاوزت النص
والبنية ، بغية الاهتمام بالذات سواء أكانت منتجة أم متلقية، وذلك في كل تجلياتها
الفلسفية والنصية والجمالية والذهنية. ومن الذين اهتموا بالقارئ والمتلقي في
المجال المسرحي، نذكر: نوال بنبراهيم ، ومحمد فراح، والبشير القمري…

7- مرحلـــة الفرجة الدراميــة: تستلزم هذه المرحلة قراءة الفرجات المسرحية وعروضها في ضوء
المقاربة الدراماتورجية، بحيث يتم التركيز على العرض المسرحي باعتباره رؤية
إخراجية وسينوغرافية، يتقاطع فيها النص مع التشخيص والتأثيث والتلقي الجماهيري.
بمعنى أن المقاربة الدراماتورجية في النقد المسرحي تتناول الميزانسين المسرحي،
وذلك في ضوء رؤية متكاملة شاملة، تجمع جميع جوانب العملية المسرحية ، من تأليف،
وتمثيل، وإضاءة، وموسيقا، وأثاث، وديكور، وإكسسوارات، وتشكيل، ورصد. وتندرج ضمن
هذه المرحلة ما يسمى حاليا بالمقاربة الإثنوسينولوجية … ومن أهم ممثلي هذه
المرحلة: محمد الكغاط، ونوال بنبراهيم، والبشير القمري، وبشرى شاكر…  

 

u مقاربـــات النقد المسرحي المغربي:

ينبني النقد المسرحي المغربي في مجمل مراحله الكبرى على مجموعة من المناهج النقدية
والمقاربات التطبيقية، ويمكن حصر هذه المقاربات النقدية في الأنواع التالية:

² المقاربــــة التاريخيــــة:

تستند المقاربة التاريخية إلى التحقيب ، والتوثيق، والأرشفة، والتصنيف. كما ترصد هذه
المقاربة المراحل التاريخية التي عرفها المسرح المغربي، من خلال التشديد على
التطور، والمراحل، والتعاقب، والبدايات، والنهايات. ويتم الرصد التاريخي إما بشكل
متسلسل، وإما بشكل متقطع، وإما بشكل متداخل.

وعليه، فقد بدأ النقد المسرحي الأكاديمي بالمغرب بتبني المقاربة التاريخية، كما عند حسن
المنيعي الذي كان سباقا إلى كتابة أول أطروحة جامعية حول المسرح المغربي ، وكانت
تحت عنوان”أبحاث في المسرح المغربي” الذي كانت طبعته الأولى سنة
1974م[2].وبعد ذلك، تتابعت دراساته التاريخية حول المسرح المغربي بصفة خاصة، والمسرح العربي بصفة
عامة، كما في كتابه: ” المسرح…مرة أخرى[3]،
و” المسرح المغربي: من التأسيس إلى صناعة الفرجة[4]، و” يبقى الإبداع[5].علاوة
على ذلك، فلقد أصدر مصطفى بغداد كتابه:” المسرح المغربي قبل الاستقلال[6]
، متتبعا فيه المنحى التاريخي الذي كان يطعمه بين فينة وأخرى بمقاييس فنية
وجمالية. وقد خصصه الكاتب للمسرح المغربي إبان فترة الحماية ، معتمدا في ذلك على التوثيق
والتحقيب والأرشفة، حيث أورد الكاتب في آخر الكتاب ملحقات للمسرحيات المغربية المنشورة
في الصحف والجرائد والمجلات، كما أورد ملحقا للشهادات وصورا وملصقات مسرحية.

هذا، ويعد محمد أديب السلاوي من أهم الدارسين للمسرح المغربي الذين تمثلوا المنهج التاريخي
كما في كتبه:” المسرح المغربي: البداية والامتداد”[7]، و:“المسرح المغربي من أين وإلى أين؟”[8]، و” الاحتفالية في المسرح المغربي[9]. ويعني هذا أن محمد أديب السلاوي يكتب دراساته حول المسرح المغربي في ضوء رؤية صحفية، تتأرجح بين البعد التاريخي والبعد الفني الجمالي، وإن كان التوثيق التاريخي هو الغالب على دراساته النقدية والبحثية. ويمكن أن تنطبق هذه المقاربة على عباس
الجراري الذي خصص المسرح المغربي بدراسة تاريخية مهمة في كتابه:” الأدب
المغربي: من خلال ظواهره وقضاياه “
، فقد تتبع المسرح المغربي في كل
تعاريجه وتضاريسه التاريخية إلى حين نضجه، واستوائه فنيا وجماليا[10].
ولا ننسى أيضا كتاب:” بنية التأليف المسرحي بالمغرب: من البدايات إلى
الثمانينات
” لمحمد الكغاط[11]، حيث تتبع فيه صاحبه تاريخ النص المسرحي المغربي تأليفا وكتابة واقتباسا واستنباتا ، من فترة الحماية إلى سنوات الثمانين من القرن العشرين. زد على ذلك، يعد كتاب:”المسرح
في المغرب: بنيات واتجاهات
” لعبد الواحد عوزري من أهم الكتب التاريخية
الحديثة التي استطاعت أن ترصد مراحل مسرح المغرب في ضوء رؤية تاريخية مؤسساتية، إذ
قسم المسرح المغربي إلى أربع مراحل متعاقبة: مرحلة مسرح المقاومة، ومرحلة مسرح
البحث عن توازن، ومرحلة بداية الوعي، ومرحلة المسرح[12].
ومن جهة أخرى، هناك كتاب أوطبيوغرافي يندرج ضمن المقاربة التاريخية ، وهو تحت
عنوان:” حياة في المسرح” لعبد الله بن شقرون[13]، يتتبع فيه تاريخ المسرح المغربي، ولاسيما الإذاعي والتلفزي والصحافي منه. كما لهذا الباحث كتاب آخر ألا وهو: ” تطور المسرح المغربي قبل الاستقلال وبعده“،ويشير عنوانه إلى المنحى التاريخي[14].
وهناك كتب أخرى تتبنى المقاربة التاريخية ككتاب:” نشأة المسرح والرياضة في المغرب” لعبد القادر السحيمي[15]،وكتاب:” من تاريخ القصة والمسرحية في الأدب العربي” لحسن السايح[16]،    وكتاب ” المسرح الأمازيغي” لجميل حمداوي[17]، وكتاب” مسرح الأطفال بالمغرب” للباحث نفسه[18]،
وكتاب:” تاريخ مسرح الطفل في المغرب” لمصطفى عبد السلام المهماه[19]، وكتاب:” المسرح المغربي” لمحمد عزام[20]، وكتاب:” حفريات في ذاكرة المسرح المغربي: تجارب وأعلام” لرشيد
بناني[21]…إلخ

² المقاربــــة الفنيــــة:

تعتمد المقاربة الفنية على استكشاف الخصائص الفنية، وتبيان المقومات الجمالية التي تتسم
بها الظواهر المسرحية.ويعني هذا أن الناقد الفني يركز كثيرا على المعطيات الشكلية
من جهة، والمقومات اللغوية والأسلوبية والإيقاعية والتركيبية والبنائية من جهة
أخرى، وذلك على حساب المضامين والقضايا والتاريخ. ومن أهم الكتب النقدية التي
تندرج ضمن المقاربة الفنية ما كتبه مصطفى رمضاني تحت عنوان:” مسرح عبد الكريم برشيد: التصور
والإنجاز”
[22]. ويجمع هذا الكتاب بين للجانبين: النظري والتطبيقي. كما ينطلق هذا المصنف من المنهج الفني في دراسة تصورات عبد الكريم برشيد التنظيرية، ورصد إنجازاته الإبداعية والنقدية. بيد أن مصطفى رمضاني لم يقف عند حدود المنهج الفني فقط، بل تجاوز ذلك إلى استخدام مناهج نقدية أخرى، كالمنهج التاريخي، والمنهج الاجتماعي، ومنهج التلقي، وذلك أثناء حديثه عن علاقة المسرح الاحتفالي بالجمهور.ومن المؤكد أن الدكتور مصطفى رمضاني هو ناقد الاحتفالية بصفة عامة، والمسرح الاحتفالي
بصفة خاصة. فقد كتب الكثير من المقالات والدراسات في تشريح النظرية الاحتفالية، والدفاع عن مبادئ المسرح الاحتفالي صياغة ودلالة ووظيفة، وتصدى بنقده الهادئ لكل من سولت نفسه أن يخدش صورة عبد
الكريم برشيد، أو يحاول أن يتزايد عليه في المعرفة الدرامية والثقافة المسرحية . ووقف مصطفى الرمضاني أيضا بكل شجاعة وجرأة في وجه كل من يحاول أن يسخر نقده اللاذع للمس بالنظرية الاحتفالية، لاسيما إذا كان صاحبه لا يستند إلى أسس علمية وأكاديمية. وفي المقابل، نجد الدكتور مصطفى رمضاني باحثا موضوعيا في أبحاثه ومقالاته ودراساته، يتبنى منهجا علميا رصينا في تتبع النظرية
الاحتفالية؛ مما أظهره هذا الدفاع بمثابة محامي عبد الكريم برشيد بامتياز، أو
بصورة تلميذ مجتهد وفي يعترف بالجميل لأستاذه القدير.

هذا، ويرى مصطفى رمضاني في كتابه بأن النظرية الاحتفالية لم تظهر إلا في أواسط
السبعينيات من القرن الماضي مع مسرح الهواة، وظهور مجموعة من الاتجاهات
المسرحية التي ظهرت كرد فعل على المسرح الاحتفالي الذي نظر له عبد الكريم برشيد، وهذه الاتجاهات هي: المسرح الثالث مع المسكيني الصغير، ومسرح المرحلة مع الحوري الحسين، والمسرح الفردي مع عبد الحق الزروالي ، ومسرح النقد والشهادة مع محمد مسكين. لكن بداية البحث في
التأسيس والتأصيل المسرحي كانت في الحقيقة مع منتصف الستينيات، وامتد مع السبعينيات
وعقد الثمانين مع تصورات كل من: يوسف إدريس، وتوفيق الحكيم، وعلي الراعي
في مصر، وعز الدين المدني في تونس، ومسرح التسييس بسوريا، وفرقة الحكواتي بلبنان،
والفوانيس بالأردن، وجماعة السرادق بمصر. وإن كان التأصيل التراثي قد انطلق
مع بدايات المسرح العربي، ولاسيما مع محاولة أبي خليل القباني، ومارون النقاش، ويعقوب صنوع، ومحمد تيمور.وعليه، فلقد أصدر عبد الكريم برشيد مجموعة من البيانات
الفردية منذ بيانه الأول سنة 1976م، معلنا تأسيسه لمشروع مسرحي جديد يتمثل في النظرية الاحتفالية والمسرح الاحتفالي. كما ظهرت بيانات جماعية لأعضاء المسرح الاحتفالي للتعريف بالنظرية المسرحية الاحتفالية،وتبيان مرتكزاتها الفنية والجمالية والفلسفية التي تؤسس لمسرح عربي جديد
مغاير للمسرح الغربي. كما انصبت هذه البيانات الفردية والجماعية على شرح النظرية، وتوضيح أسسها الدلالية والتقنية في مجال السينوغرافيا والإخراج وتأليف النص الاحتفالي. ومن هنا، فالمسرح الاحتفالي هو تركيب جديد يجمع بين ماهو ذهني ووجداني؛ فهو مسرح مخالف للمسرح الملحمي البريختي الذي
يعد مسرحا تعليميا عقلانيا وذهنيا، يخاطب العقل والوعي الإيديولوجي. في حين،
لايخاطب المسرح الدرامي،  أو ما يسمى كذلك بالمسرح العاطفي، سوى الإحساس والجوانب الذاتية الشعورية لدى المتفرج . بيد أن أستاذنا مصطفى رمضاني يصحح تصور عبد الكريم برشيد حول البريختية، ذاهبا إلى أن المسرح البريختي يجمع بين الإحساس والعقل معا. ومن ثم، فالاحتفالية نظرية مسرحية قائمة على الحفل والاحتفال، وأن جذور المسرح احتفالية مع بدايات المسرح اليوناني، الذي كان يقدم فرجته
الاحتفالية لمباركة الإله ديونيسوس. ومن هنا، يعد التراث من أهم مكونات النظرية الاحتفالية إلى جانب خصائص أخرى، مثل: الشعبية ، والعفوية، والتلقائية،ودائرية الزمن، والتحدي، والإدهاش ، والتحرر من العلبة
الإيطالية نحو فضاءات خارجية ترتبط بالشعب والجماهير. كما ترتكز النظرية الاحتفالية على تكسير
الجدار الرابع، ورفض نظرية الاندماج الأرسطي ونظرية التغريب البريختي، وتستبدلهما
باللاندماج الاحتفالي. و تثور النظرية الاحتفالية أيضا على مقومات الشعرية الأرسطية، كالوحدات الثلاث، وتقسيم المسرحية إلى فصول ومشاهد ، وتستبدل ذلك بالمسرح الدائري ، والسينوغرافيا القائمة على الاقتصاد، والتقشف في الديكور، وتشغيل مكونات الفن المسرحي الشامل من غناء، ورقص،
ورواية، وشعر، وتمثيل….ويسمي الاحتفاليون الفصل المسرحي بالحفل أو النفس الاحتفالي، ويسمى الممثل والمتلقي بالمحتفل، والعرض بالاحتفال المسرحي. ويلاحظ كل راصد للمسرح الاحتفالي مدى اندماج الجمهور مع الممثلين في تقديم حفلهم الدرامي، وذلك عن طريق الارتجال والمشاركة الوجدانية الحميمة،
دون أن يكون هناك استلاب للمتفرج؛ لأن الاحتفالية ثورة على التزييف والتمويه
وتزوير الحقائق. إلا أن الكثير من النقاد يعتبرون الاحتفالية نظرية رجعية، تهادن الإقطاع والسلطة، وهناك من يعدها في هذا الاتجاه التوعوي نوعا من البريختية الجديدة. بيد أن عبد الكريم برشيد يرفض نظرية بريخت؛
لأنها ماركسية التصور، تحاول أن تفرض على الراصد الدرامي موقفا إيديولوجيا
معينا، على عكس الاحتفالية التي تحاول أن تصل إلى عقل الراصد ووجدانه،
وذلك عن طريق الحجاج الموضوعي، والاقتناع الشخصي، والإدراك الذاتي، بدون فرض ولا
إجبار ولا قسر. وهكذا، يطبق مصطفى رمضاني المقاربة الفنية في هذا الكتاب، حينما يعدد خصائص الاحتفالية فنيا وجماليا ودلاليا.وتنطبق هذه المقاربة كذلك على كتابه الآخر:” قضايا المسرح
الاحتفالي”،
الذي تناول فيه قضايا الاحتفالية الموضوعية والفنية، من خلال
التركيز على مجموعة من الخصائص الدلالية والفنية والجمالية التي يتسم بها المسرح
الاحتفالي عند عبد الكريم برشيد[23].

هذا، ومن أهم الكتب النقدية الأخرى التي تمثلت المقاربة الفنية كتاب:” خطاب التأسيس في مسرح
النقد والشهادة”[24]
 لمحمد جلال أعراب ، حيث تناول فيه مجموعة من الخصائص الفنية
والجمالية التي يتسم بها مسرح محمد مسكين على مستوى التصور النظري والممارسة
التطبيقية. وهناك أيضا كتاب :” التجريب في المسرح” لسعيد الناجي، بحيث تناول فيه صاحبه اتجاهات التجريب العالمية بصفة عامة، والتجريب في المسرح العربي بصفة خاصة ، وذلك بالتركيز على مقومات التجريب الفنية والجمالية في المسرح، مع ربط ذلك بالحداثة والعصرنة[25]. و هناك من ناحية أخرى، كتابات عبد الرحمن بن زيدان مثل:” أسئلة المسرح العربي[26]، وكتاب:” التجريب في النقد والدراما[27]،
و” كتابة التكريس والتغيير في المسرح المغربي[28]، علاوة على كتاب:” المأساة والرؤية المأساوية في المسرح العربي الحديث” لعبد الواحد بن ياسر[29]،
الذي تتبع فيه الكاتب التراجيديا أو فن المأساة بالتأريخ، والتجنيس، والتصنيف،
والدراسة…

² المقــــاربة السوسيولوجيـــة:

ترتكن المقاربة السوسيولوجية أو الاجتماعية إلى تحليل المسرح فهما وتفسيرا وتأويلا، وذلك في ضوء المعطيات الاجتماعية والسوسيولوجية والإيديولوجية، من خلال ربط الإبداع المسرحي بواقعه الاجتماعي
بطريقة مباشرة ( المنهج الاجتماعي) ، أو بطريقة غير مباشرة ( البنيوية التكوينية)،
أو ربطه بعمليات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك (سوسيولوجية الأدب). ومن أهم
الدراسات التي تحسب على المقاربة السوسيولوجية كتاب :” جدل القراءة
” لنجيب العوفي[30]،
بحيث خصص المسرح المغربي  بفصل من كتابه تحت عنوان:” المسرح المغربي: بانوراما تاريخية“، وقد انطلق فيه من مرجعيات سوسيولوجية، ومنطلقات مرجعية إيديولوجية، وذلك من خلال ربط المسرح
المغربي في تطوره بتطور الواقع المغربي انعكاسا ومحاكاة وأدلجة. والدليل على ذلك
ما أورده نجيب العوفي في كتابه من فقرات تحمل في طياتها أبعادا سوسيولوجية
وإيديولوجية ، تربط المسرح بالرؤى الطبقية، ورصد التفاوت الاجتماعي داخل المجتمع
المغربي، وإصدار أحكام نقدية قريبة من الإيديولوجيا منها إلى التحليل النقدي
الموضوعي:” إن الفن المسرحي كان وما يزال يتسم بحساسية فكرية وإيديولوجية
فائقة، وذلك لمباشرته وعلاقته الحية والدينامية بالجمهور، متعلما كان أم أميا،
بحيث تبدو المسافة بين الوجه والقناع، بين المشهد والدلالة، مسافة دقيقة وشفافة،
يسهل اختراقها وإلغاؤها.لهذا، تبدو الكتابة المسرحية مرآة مصقولة تعكس بوضوح
المشارب الأيديولوجية والمصالح الطبقية.أي: إن الكتابة المسرحية تصبح على هذا الأساس،
سلاحا إيديولوجيا هاما في مجال الصراع الاجتماعي، تحاول كل طبقة أن تستغله
لمصلحتها وأهدافها.وهكذا، تبدو الخريطة المسرحية في المغرب موزعة على نحو مأساوي
بين السلطة الرسمية من جهة بمؤسساتها وطوابيرها، وبين السلطة المضادة والمقموعة ،
بتناقضاتها واختلافاتها من جهة ثانية.وفي المسافة الواقعة بين السلطتين، تقوم فئات
ثالثة بلعبة الأكروبات الانتهازية على خشبة المسرح المغربي.[31]

وما هذا المقتطف النصي إلا نموذج واحد من التحليل الذي يرسمه نجيب العوفي للمسرح المغربي، والذي يقوم على التأويل السوسيولوجي الذي يطفح بالنزعة الإيديولوجية، والربط الانعكاسي
المرآوي بين البنية الأدبية والواقع الاجتماعي الزاخر بالتناقضات الجدلية.

ومن زاوية أخرى، تتمظهر المقاربة البنيوية التكوينية في مجال المسرح في كتاب:” صورة البطل في المسرح المغربي من البدايات إلى الثمانينيات” لعبد الرحمن عبد الوافي[32]،
والكتاب في الحقيقة رسالة جامعية غير منشورة ، حيث يتتبع الباحث فيه صورة البطل المسرحي،
وذلك في ضوء البنيوية التكوينية للوسيان كولدمان، منتقلا من البطل المولييري إلى
البطل الشعبي، فالبطل الاحتفالي.

²المقـــاربـــة الموضوعاتيـــة:

تنبني المقاربة الموضوعاتية على دراسة المضامين المسرحية، وتكثيفها في شكل تيمات وموضوعات عامة ،
أو تجميعها في شكل ظواهر وقضايا مضمونية وفنية. ومن أهم الكتب التي تندرج ضمن
المقاربة الموضوعاتية أو المضمونية، نذكر : كتاب عبد الرحمن بن زيدان:”المقاومة
في المسرح المغربي
[33] الذي يرصد فيه الدارس تيمة المقاومة في المسرح المغربي، وذلك في مختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والوطنية والقومية، كمقاومة   الاستعمار والاستغلال ، والتأشير على المسرح
الوثائقي والسياسي والتسجيلي، والحديث عن موضوعتي: الحرب والغضب. ومن جهة أخرى، تتناول
فاطمة بلخير موضوع الجسد الغروتيسكي ، بكل تناقضاته الدلالية والفنية، وبمختلف
تشوهاته الجمالية ، وذلك في كتابها:”اشتغال الجسد الغروتيسكي في المسرح
وأدبية النص الدرامي”[34]
.
كما يتناول محمد الوادي في كتابه: ” تجليات صورة اليهودي في المسرح
العربي
” مجموعة من المواضيع المتعلقة بصورة اليهودي، مثل: صورة اليهودي
في المسرح العالمي، وصورة اليهودي في المسرح العربي، وصورة اليهودي في المسرح
المغربي، وصورة العربي في المسرح الإسرائيلي، وقد اعتمد في ذلك على منهج المقارنة
والصورولوجيا[35].
أما الدكتور يونس الوليدي في كتابه:”المسرح والمدينة[36]،
فقد انطلق من المقاربة الموضوعاتية بغية تناول مجموعة من القضايا والظواهر
المسرحية ، مثل المسرح والمدينة، والمسرح والتربية، والمسرح والإسلام، والمسرح
والسرديات، والمسرح والتراث، والمسرح والأسطورة، والمسرح وأشكال الفرجة.

ويمكن الحديث أيضا عن كتابات أخرى موضوعاتية، مثل:” المسرح العربي والتراث(المسرح المغربي
نموذجا)
” لمحمد هاشم العلوي صوصي علوي[37]،
وكتاب :” المسرح والحداثة” لحسن يوسفي[38]،
وكتاب ” المسرح والتربية” لعزيزة بناني[39]

² المقاربــــة الإقليميـــة:

تعد المقاربة الإقليمية أو البيئية من المقاربات النقدية المعروفة في ثقافتنا العربية القديمة،
وقد كانت تعنى بدراسة الأدب حسب المكان أو البيئة أو المحيط أو الحي أو المدينة أو
الإقليم أو الجهة، وكانت هذه المقاربة تربط الإبداع والنقد بالمكان والزمان
والعرق. ومن ثم، يعد ابن سلام الجمحي سباقا إلى تصنيف الشعراء حسب بيئاتهم
الإقليمية ، وذلك في كتابه النقدي :” طبقات فحول الشعراء”[40].وبعده،
تبعه مجموعة من النقاد القدامى، كالقاضي الجرجاني، والثعالبي، وابن رشيق القيرواني
كما اهتم النقاد العرب المحدثون والمعاصرون بدراسة الأدب إبداعا ونقدا في ضوء
المقاربة الإقليمية ، كما يتضح جليا عند أحمد الإسكندري، وأحمد حسن الزيات، وجورجي
زيدان، وأحمد ضيف، وأمين الخولي، وطه حسين ، وشوقي ضيف، وعبد الله كنون، وعباس
الجراري، ومحمد المختار السوسي، وابن تاويت[41]

هذا، ومن أهم الكتب المسرحية التي تندرج ضمن المقاربة البيئية أو الإقليمية، نذكر: كتاب :”الحركة
المسرحية بطنجة”
لرضوان أحدادو[42]،
وكتاب:” الحركة المسرحية بوجدة من التأسيس إلى الحداثة” لمصطفى
رمضاني[43]،
وكتاب:”المجتمع الأصيلي والمسرح” لمصطفى عبد السلام المهماه[44]،
و” ذاكرة المهرجان الربيعي لمسرح الطفل” لمحمد حمداوي[45]…وهكذا،
فقد تناول مصطفى رمضاني تاريخ الحركة المسرحية بمدينة وجدة. في حين، تناول رضوان
أحدادو تاريخ الحركة المسرحية بطنجة، وتناول محمد حمداوي مهرجان المسرح الربيعي
الذي تشرف عليه حركة الطفولة الشعبية بمدينة الناظور، بينما ركز مصطفى عبد السلام
المهماه على تاريخ الحركة المسرحية بمدينة أصيلا.

² المقاربـــة الانطباعيـــة:

ترتكز المقاربة الانطباعية على استخدام الذوق الفني والجمالي، والانطلاق من معايير
ومقاييس تأثرية مصدرها القلب والعاطفة والوجدان. ومن ثم، تتسم أحكام هذا النقد بالتعميم،
والإطلاقية، والتسرع في إبداء الآراء الشخصية، والميل إلى الاختصار والابتسار في تحليل
المعطى المسرحي. وقد ظهر النقد المسرحي الانطباعي في المغرب منذ فترة الحماية ،
حيث ارتبط هذا النقد بالصحف من جرائد ومجلات، واتخذ طابعا تعريفيا، يقوم على تلخيص
المسرحية بذكر مضمونها العام، مع رصد جوانبها الدلالية والفنية بشكل مختصر،
والابتعاد عن التحليل الدراماتورجي، والاكتفاء ببعض الإشارات الفنية التي تتعلق
باللغة والحوار والديكور والملابس…

ومن أهم النقاد الانطباعيين في المسرح المغربي، نستدعي كلا من : عبد الواحد الشاوي،
وأبو بكر عواد، ومحمد الأوراوي، ومحمد حسن الرامي، ومحمد السوسي، وعبد الكبير
الفاسي، ومحمد بن الشيخ…[46]

وما يزال هذا النقد المسرحي الانطباعي التأثري ممتدا في ساحتنا الثقافية المسرحية
المغربية ، حيث يتخذ في غالب الأحيان طابعا صحفيا من جهة، وطابعا سجاليا من جهة
أخرى ، كما نجد ذلك في كتابات سعيد الناجي، مثل كتاب:”البهلوان الأخير: أي
مسرح لعالم اليوم؟
“، الذي يميل فيه صاحبه إلى إصدار أحكام عامة متسرعة،
تتسم بالتعميم والإطلاقية والانطباعية الذاتية[47]،
خاصة حينما يحاكم النظريات المسرحية، وبالضبط النظرية الاحتفالية. ونذكر كذلك عبد
الكريم برشيد في كثير من كتاباته النقدية السجالية التي تتخذ شكل ردود موضوعية
وعنيفة على معارضي نظريته الاحتفالية، كما يتبين ذلك جليا في كتابيه: ” الاحتفالية
مواقف ومواقف مضادة- الجزء الأول
[48]،
وكتاب”الاحتفالية مواقف ومواقف مضادة- الجزء الثاني”[49]

 

² المقاربــــة الأنطروبولوجية:

تستند المقاربة الأنطروبولوجية إلى دراسة المسرح باعتباره ظاهرة طقسية وثقافية وأسطورية.
بمعنى أن المقاربة الأنطروبولوجية تدرس مجموعة من الظواهر الدرامية والفرجوية
والأشكال الفطرية ماقبل تشكل المسرح، وذلك  في ضوء دلالاتها الطقسية واللاشعورية، والبحث عن
معانيها المضمرة، واستكشاف مقاصدها الرمزية، واستكناه أبعادها الإنسانية
والسيميائية. ومن أهم الكتب التي تتبنى المقاربة الأنطروبولوجية ، نستدعي  كتاب حسن بحراوي:” المسرح المغربي بحث في الأصول السوسيوثقافية” [50]،
حيث يتناول فيه الباحث مجموعة من الظواهر والطقوس الدرامية في مرحلة ما قبل تشكل
المسرح، مثل: الحلقة، والبساط، وسيدي الكتفي، واعبيدات الرما، وسلطان الطلبة،
وهزليات يهود المغرب، وفرجة بغيلة، وموكب بوالجلود… ونذكر أيضا كتاب يونس
الوليدي:”الميثولوجيا الإغريقية في المسرح العربي المعاصر” الذي يتناول
فيه الكاتب مجموعة من المسرحيات العربية ذات البناء الأسطوري، ومقارنتها
بالمسرحيات الميثولوجية الإغريقية، وذلك بناء، وتشكيلا ، ولغة، وحوارا ، وتفضية،
وقضية ، وتشخيصا، وتأثيثا، وإخراجا. ولا ننسى كذلك كتاب عبد الله حمودي:” الضحية
وأقنعتها، بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب
[51]،
و كتاب نور الدين الزاهي:” المقدس والمجتمع”[52]،
وما كتبه المسكيني الصغير في دراسته القيمة:” مدخل إلى تعريف الثقافة
الشعبية ودورها الوظيفي
[53]،
وما كتبه كذلك حسن يوسفي في مؤلفه :” المسرح والأنتروبولوجيا”[54]
، وما كتبه أحمد بلخيري تحت عنوان :” الوجه والقناع في المسرح”[55]

 

² المقاربـــة البنيويـــة أو البويطيقيــة:

تستند المقاربة البنيوية أو البويطيقية إلى دراسة المسرح في ضوء شعريته أو مكوناته
البنيوية أو الإنشائية، كما عند علماء السرد ، أمثال: تودوروف، وجيرار جنيت، ورولان
بارت…وهنا، يتم التركيز على مكونات الخطاب داخل الفعل المسرحي إبداعا وعرضا
وتأثيثا وتشخيصا. ومن أهم الكتابات والدراسات التي تندرج ضمن المقاربة البنيوية أو
البويطيقية دراسة:” مدخل إلى تحليل الخطاب المسرحي” لسعيد يقطين،
حيث يعتمد الباحث في مقاله النقدي على المقاربة البنيوية في تبيان أدبية المسرح من
خلال المادة الحكائية والخطاب المعروض، ورصد خصائص شعرية الممارسة المسرحية بناء
وتجريدا وتقعيدا، ودراسة ثنائية الخطاب والعرض، من خلال شكلنة ثلاثة خطابات
محورية، وهي: خطاب الكاتب، وخطاب الشخصيات، وخطاب المخرج[56].
كما يدرس الباحث بعض المكونات الخطابية الشكلية، مثل: الزمن، والتبئير، واللغة،
والحوار، والأسلوب.

 

² المقاربــــة السيميائيــــة:

من المعروف أن المقاربة السيميائية تدرس المسرح في ضوء معطياتها البنيوية والشكلية
تفكيكا وتركيبا، وتبحث عن البني الصورية والمجردة التي تتحكم في توليد البنى
السطحية، وتعنى برصد البنية العاملية والمستويات التركيبية والدلالية. كما تعنى
بمقاربة الشخصية في ضوء تصنيفات سيميولوجية متنوعة. ومن أهم الكتب النقدية التي
تندرج ضمن المقاربة السيميائية، نذكر: كتاب:” الشخصية في المسرح المغربي:
بنيات وتجليات
” لعز الدين بونيت[57].فمن خلال العنوان، يتبين لنا بأن الكتاب ذو تصور منهجي سيميائي، يرتكز على استشكشاف بنيات الشخصية المسرحية، وتحديد تجلياتها على مستوى التمظهر السطحي.

هذا، وقد تتبع الدارس مفهوم الشخصية لغة واصطلاحا، مع تبيان مختلف مدلولاتها في ضوء مختلف
الحقول المعرفية، ليتحدث – فيما بعد- عن الشخصية المسرحية في ضوء المقاربة
السيميائية السردية كما عند كريماص(البنية العاملية)، وكما عند فليب هامون الذي
درس مستويات الشخصية من خلال ثنائية الدال والمدلول. علاوة على ذلك، ينكب الباحث
على دراسة الشخصية، كما تتجسد في النصوص الإبداعية والخطاب النقدي.وثمة كتاب آخر
لا يندرج ضمن المقاربة  السيميائية إلا من باب العنوان ليس إلا، وهو كتاب:”سيميائيات المسرح[58]
لأحمد بلخيري، فقد خصص السيميائيات بفصل واحد فقط، أما باقي فصول الكتاب، فلا علاقة
لها بالسيميائيات لا من قريب ولا من بعيد. ويعني هذا أنها دراسات مقالية تتناول
المسرح والفلسفة، والمسرح والسياسة، وقضية النحل والانتحال والاستنحال في مجال
المسرح، وتحليل بعض المسرحيات الدرامية لقاسم مطرود، وإيراد بعض الحوارات التي
أجريت مع الباحث .

هذا، ويدعو رشيد بناني إلى تمثل المقاربة السيميوطيقية في قراءة العرض المسرحي، وذلك في
مقاله:” نحو بناء منهجية لتحليل العرض المسرحي“، من خلال البحث
عن الدلالة المسرحية توليدا وسطحا وتمظهرا. وتعد المقاربة السيميوطيقية أكثر المناهج
اقترابا من المسرح؛ لكون العرض المسرحي مجموعة من الرموز ، والإشارات، والعلامات،
والأيقونات البصرية …لذا، كان من الأجدر أن تطبق المقاربة السيميائية في تفكيك
العرض المسرحي، وتركيبه بنيويا ودلاليا، وقراءته في أبعاده التواصلية والإشارية .
ويستوجب الكاتب الانطلاق من سيميولوجيا التواصل، كما عند جورج مونان، ووآن أوبر
سفيلد ، وكوزان من جهة، وتمثل سيميولوجيا الدلالة كما عند رولان بارت من جهة أخرى[59].

 

² المقاربــــة البلاغيــــة:

ترتكز المقاربة البلاغية على دراسة المسرح أو الدراما في ضوء مكوناتها البلاغية
والتصويرية والأسلوبية.بمعنى أن هذه المقاربة النقدية تستفيد من علوم البلاغة ومقومات
الصورة الروائية والصورة الدرامية ، باستحضار المكونات والسمات .ومن أهم الكتب في
هذا المجال كتاب محمد أنقار، وهو تحت عنوان:”بلاغة النص المسرحي[60].

وعليه، يحاول محمد أنقار قراءة نصوص مسرحية إغريقية وعربية ومغربية في ضوء بلاغة الصور الدرامية، وأسلوبية المشاهد. فلقد اختار الناقد من التراث اليوناني نصا تراجيديا ليوربيديس(إيون)، ونصا كوميديا لأريسطوفان (الضفادع)، واختار من المسرح العربي الحديث مسرحية :” مجنون ليلى” لأحمد
شوقي، واختار من المسرح الفردي المغربي مسرحية :”الزغننة” لمحمد تيمد.

هذا،وتستند مقاربة محمد أنقار إلى البلاغة، وأسلوبية النص المسرحي، وقراءة النص المكتوب/المطبوع، دون استنطاق العرض السينوغرافي، كما فعل الدكتور محمد الكغاط في أطروحته عن المسرح وفضاءاته.أي:
إن أستاذي محمد أنقار اعتمد على الأدوات التحليلية للبلاغة، مثل: السياق
النصي، والطاقة اللغوية، والطاقة البلاغية، ومقولات الجنس والنوع، وآليات
السياق الذهني، مع استحضار مفهومي (المكونات والسمات) لتحليل المسرحيات تشكيلا
ودلالة ووظيفة ورؤية. وبذلك، يرفض هذا الناقد الأدبي الاحتكام الأعمى إلى
المنهج، والقانون، والقواعد التجنيسية، والمقولات النوعية الجاهزة، كما
يفعل أغلب الباحثين والدارسين العرب المحدثين، ويستبدلها بالمفاهيم الذوقية التي
يطرحها كل نص على حدة.  وما يهم لدى الباحث في قراءته لهذه النصوص المسرحية هو البحث عن الصور
الدرامية، وتحديد مكوناتها الأساسية، وتبيان سماتها الثانوية، معتمدا في ذلك على مفهوم الهيمنة la valeur
dominante  الذي طرحته الشكلانية الروسية، وخاصة مع رومان جاكبسون.ومن جهة أخرى، فقد رفض الباحث كل علمنة للدراسة الدرامية، أو تجريدها في نظريات مقننة وبنيات ثاوية مضمرة ، تتحكم في توليد
النصوص،كما تفعل السيميولوجيا التي تدرس العلامات أو الإشارات النصية والخطابية، قصد
تحيينها في شكل مبادئ كلية عامة، وما تقوم به التداوليات التي تنكب على
وظائف التداول الإشاري للوحدات الدرامية، والبحث عن الأنساق والعلاقات
الوظائفية ومقصديتها.
وقد انتبه باتريس بافيس إلى خطورة التقنين والعلمنة بقوله:” عندما تختصر السيميولوجيا في النموذج
الجاكبسوني الخاص بوظائف التواصل، وفي تصنيفية الأنماط ، وفي بحث الوحدات الأكثر صغرا، وفي
سجل السنن، أو تختصر في هذيان من إيحاءات العلامات؛ فإنها لا تشكل
إضافة كبيرة إلى الدراسة المسرحية”[61]. ويعني هذا، أن المقاربات البنيوية والسيميولوجية
والسوسيولوجية والتداولية والتفكيكية قد قتلت النص المسرحي باسم العلم والقانون، وتسطير القواعد،  والبحث عن التماثل الموضوعي بين النص والمرجع الذاتي والواقعي. وبديل الدارس
- إذاً- هو ضرورة تبني القراءة البلاغية الذوقية الجمالية ذات الطرح الإنساني، والتي تعتمد
على أسلوبية الصور والمشاهد الدرامية.

² المقـــاربة الفلسفيـــة:

نعني بالمقاربة الفلسفية تلك المقاربة النقدية التي تدرس نشأة المسرح وأجناسه الفنية والجمالية في ضوء التصور الفلسفي.أي: من خلال تصورات أنطولوجية ووجودية وقيمية. أكثر من هذا، تتحدث
المقاربة الفلسفية عن الظواهر المسرحية، من خلال رصد الرؤى الميتافيزيقية التي
تجسد الصراع التراجيدي بين  الإنسان والقدر. ومن هنا، يعد كتاب:” حياة التراجيديا” لعبد الواحد بن
ياسر من أهم الكتب التي تمثل هذا التصور الفلسفي، حيث يحاول الكاتب في كتابه أن
يتتبع الجنس التراجيدي وشعريته في ضوء تصورات فلسفية. وفي هذا السياق، يقول عبد
الواحد بن ياسر: ” تظهر العلاقة بين التراجيديا والفلسفة في مستويين رئيسيين:
الأول تاريخي يتمثل في تزامن ظهور الأعمال التراجيدية الأولى للشعراء الإغريق
الرواد، مع ميلاد الفلسفة اليونانية؛ ثم في توازي عودة التراجيديا في القرنين
السادس عشر والسابع عشر، مع تشكل الأنساق الفلسفية الكلاسيكية الكبرى.أما المستوى
الثاني فهو نظري، إذ يعود تحديد مفهوم التراجيديا وجوهرها، على النصوص الفلسفية
التأسيسية التي تقوم عليها شعرية الجنس التراجيدي.ونعني نصوص أرسطو أولا، ثم هيجل
ونيتشه وشوبنهاور وغيرهم في العصر الحديث.ذلك أن تاريخ المسرح عموما، هو تاريخ
التجربة الإنسانية وسعيها الدؤوب، لاكتشاف المقولات الفلسفية، وتجسيدها بواسطة
اللغة الدرامية.

إن النظر في العمق الفلسفي للتراجيديا ، من خلال تجلياتها اليونانية والشكسبيرية والكلاسيكية الجديدة، وصولا إلى المأساوية الحديثة، يفضي بنا إلى تحديد ماهية التراجيديا، باعتبارها بحثا  في الشرط الإنساني وفي أوضاع الوجود البشري.
وهكذا، يكون البحث في الجنس التراجيدي من هذا المنظور إسهاما أساسيا في مجال النقد
الأدبي وعلم الجمال الأدبي، وفي ممارسة جديدة للفلسفة على السواء.[62]

وهكذا، يتبنى عبد الواحد بن ياسر المقاربة الفلسفية لتبيان مقومات جنس التراجيديا شعرية وبناء وتشكيلا، من خلال ربط المسرح بالمقولات الفلسفية، وتفسير التراجيديا في ضوء الأنساق الفلسفية
الكبرى ، وذلك بحثا عن أوضاع الوجود البشري وأشكاله ورؤاه .

 

² المقـــــاربة الجماليــــة:

تهتم المقاربة الجمالية بدراسة مكونات الجمال في المسرحية أو العرض المسرحي من جهة،
ودراسة عمليات الرصد والتلقي الجمالي من جهة أخرى. ومن أهم الكتب النقدية ذات
الطابع الجمالي، نستحضر كتابي:”الجماليات المسرحية[63]
و”الجماليات” لعبد المجيد شكير[64]،
وكتاب:” الخطاب المسرحي وإشكالية التلقي” لمحمد فراح الذي ينطلق
من تصورات جمالية التقبل [65].
ونستدعي أيضا كتاب:” جمالية الافتراض من أجل نظرية جديدة للإبداع المسرحي
لنوال بنبراهيم[66]،
وكتاب:” الخطاب المسرحي وإشكالية التلقي” للدكتور محمد فراح[67]،
وكتاب: ” النص- العرض في المسرح” للبشير القمري[68]

وإذا أخذنا كتاب:” جمالية الافتراض من أجل نظرية جديدة للإبداع المسرحي[69]
لنوال بنبراهيم- مثلا-، فنجد الكاتبة تتكئ فيه على مقاربة جمالية  في فهم الإبداع وتفسيره، معتمدة في ذلك على جمالية الافتراض لرصد الإبداع المسرحي ومنطلقاته، وتحديد علاقته بالمتلقي، وتلمس
الأنظمة التي تتحكم في عملية الاتصال بين المبدع والمتلقي ، وذلك على مستوى
الإبداع إنتاجا وتلقيا. ويتناول الكتاب ثلاثة فصول أساسية، يحدد الفصل الأول
جمالية الافتراض، بينما يرصد الفصل الثاني المفترض. ومن ثم، فالافتراض عند الباحثة
هي:” ملكة فطرية نشطة، تملك قدرة هائلة على تفجير المفاهيم والتصورات
والتقديرات- دون أن تعتمد بالضرورة على مثير خارجي، لأنها تنحدر من ذهن
الإنسان.”[70]

ومن هنا، نفهم بأن الافتراض بمثابة عمليات ذهنية ثاوية في الباطن، تنطلق من بنيات
عقلية مضمرة، تعتمد على الافتراض والاحتمال، وخلق التصورات الفكرية والذهنية
والجمالية. وبهذا، يكون العقل مصدر الافتراض الصوري، ومنبع الافتراض والإبداع
الفني والجمالي. ومن ثم، فالجمال الحقيقي هو إشعاع الافتراض الذهني والتجريبي الذي
يشكل جوهر الإبداع ومنطلقاته. وبهذا، تكون الباحثة قد وفقت بين الجمالية الذاتية
(العقلانية) والجمالية التجريبية. وبالتالي، فإن الإنتاج يتأسس على جمالية
الافتراض إبداعا وتلقيا ثم ابتداعا. ومن ثم، يكون الجمال هو:”افتراض الفن
الجميل الذي يدركه المفترض مباشرة، ليستغرق فيه ذهنيا وتجريبيا، باحثا عن سبل
استجلاء غامضة، فهو ليس عنصرا مضافا للإبداع الفني، بل جوهره وإطاره المحيط به،
يكون من أجل ذاته في التجلي الذهني، ومن أجل الآخر في الظهور العياني.”[71]

ومن هنا، نلاحظ أن الباحثة تعتمد على جمالية التلقي كما عند الألماني  هانس روبير ياوس، حيث تدرس علاقة الإبداع من خلال علاقة ثلاثية: المفترض(بالكسر)، والافتراض( العمل الفني)، والمفترض(بالفتح).
وتخضع هذه العلمية الثلاثية للتوافق والانسجام العلائقي بين هذه العناصر الثلاثة
المتداخلة والمتقاطعة. وتتخذ دراسة الباحثة في رصد جمالية الافتراض منحى ذهنيا
وتطبيقيا، من خلال الاعتماد على عرضين مسرحيين للطيب الصديقي ، وهما:”عرض
جنان الشيبة
” وعرض:” قفطان الحب المرصع بالهوى“.

هذا، وتلتجئ الباحثة منهجيا إلى تقسيم عوالم الإبداع إلى نصية وافتراضية، وبلورة نظام
مرتبط بالوصف والتحليل والمقارنة ثم الافتراض، مع تأسيس نظام تسمية جديد لكل من
المبدع، والمتلقي، والإبداع، ومكانه، وزمانه، وأدواته، معتمدة في ذلك على الإبداع
المسرحي. وترى الباحثة أن مصدر الإبداع هو الافتراض الذي هو تمثل ذهني سالب أو
تمثل موجب تجريبي. ويعني هذا أن أساس الإبداع هو العقل والتجربة معا، كما يقول
الفيلسوف الألماني كانط. ومن ثم، حاولت الباحثة دراسة الافتراض لغويا، وطبيعيا،
وأنطولوجيا، ومعلوماتيا، وثقافيا، وتعليميا، وتواصليا،  واقتصاديا ، وتجاريا، وفلسفيا. وبعد ذلك، تخلص
الباحثة إلى  أن الافتراض الأول يتم برشيم يمتلك قوة افتراضية، ويقبل نموا وكمالا.أما تشكيله، فيتم بواسطة البلور. في حين يتم تجسيده بواسطة صور افتراضية تتجمع في عالم افتراضي.[72]

هذا، ويمتلك جوهر الكائن الافتراضي مجموعة من الخواص منها: الهيولى ، والصورة، والحيز،
والامتداد، والحركة، واللاضد…، وقد يكون الوجود الافتراضي من طبيعة سالبة أو من
طبيعة موجبة. ومن ثم، فالقوة الافتراضية التي تتحكم في الإبداع لدى الإنسان هي
إخراج شيء غير مسبوق بمادة أو زمان من العقل إلى الافتراضين: السالب أو الموجب.[73]

وتنتقل الباحثة أيضا إلى تحديد مراحل تكون القوة الافتراضية، والتي هي أساس الإبداع
والإنتاج الفني والجمالي، فتحصرها في الخطوات التالية: التبلور، والاختمار،
والاستعداد، ثم الإشراق، ولا يتم إلا من خلال كفاءة عقلية لدى الإنسان. أما
خصائصها، فهي: الانطلاقة، والأصالة، والبناء، والتحول، والتستر، والحرية. وهذه
المراحل قد حددها العلماء في مجال سيكولوجيا الإبداع بدقة. ولم تلتزم الباحثة
بسياقها المنهجي المتعلق بجمالية التلقي والافتراض، بل انفتحت على مناهج أخرى كعلم
النفس مثلا.[74]

هذا، ويتأرجح العالم الافتراضي عند الباحثة بين الواقع والممكن، وبين الذات والموضوع،
وبين الإمكان والفعل، وبين الماضي والحاضر والمستقبل. وبالتالي، فالإبداع :”
ليس منتوجا طبيعيا، وإنما هو أولا منتوج افتراضي يبتكره ذهن الإنسان، ولا يوجد
كمحسوس من أجل ذاته، بل يتوجه إلى الإنسان، وهو ثانيا منتوج واع يمكن أن نتعرف
عليه ونفسره ونواصله بإبداعات أخرى ممتدة أكثر غنى.”[75]

وهكذا، تنتهي الباحثة إلى أن الافتراض :” يرتبط إما بتمثل ذهني سالب يعبر بالخيال
والصور، أو بتمثل تجريبي موجب يعبر باللغة المنطوقة والمكتوبة والحركة والخطوط
والأشكال والأحجام والألوان والأضواء والأصوات، فيكون الافتراض في الأول مستقلا عن
الإدراك الحسي ، ولا يعبر بمادة فيزيقية، ويكون في الثاني مرتبطا بالتحديدات
التجريبية، دون أن يرتبط بالواقع، لأنه يعبر بوسيط شبه موضوعي: الأعمال الأدبية
والمعلوماتية والسينمائية والتشكيلية والموسيقية والركحية…”[76]

وتبين
الباحثة أثناء انتقالها للحديث عن المفترض (بالكسر)، بأن الافتراض تسبقه مرحلة
إعداد قبلية من قبل الافتراضي، وخبرة عقلية طويلة، ثم زمن كاف للإعداد. وينقسم
المفترض الفاعل إلى أنواع ثلاثة: مفترض مبدع( المؤلف)، ومفترض مبتدع( المتلقي)،
ومفترض نصي (قارئ يجمع بين افتراضي: المؤلف والمتلقي). وقد يكون المفترض النصي هو:
القارئ النموذج، أو القارئ المرتقب، أو القارئ الجامع،  أو القارئ الخبير، أو القارئ المثالي، أو
القارئ الخيالي، أو القارئ الضمني. ويشترط في القارئ أو المفترض النصي أن يمتلك
مجموعة من الخبرات ليدرك أساس الافتراض، ونذكر منها: الخبرة الافتراضية، والخبرة
العادية، والخبرة اللسانية، والخبرة المعجمية،
والخبرة الإيديولوجية، والخبرة التواصلية، والخبرة المنطقية، والخبرة
المعرفية، والخبرة الأخلاقية، والخبرة التاريخية،
والخبرة الثقافية، والخبرة النفسية، والخبرة الافتراضية.

وترى
نوال بنبراهيم أن الأثر الفني:” لا يكتسب قيمته الجمالية إلا من خلال افتراض
قبلي من قبل المبدع أو بعدي من قبل المتلقي. والافتراض هو أنطولوجيا التجربة
الجمالية ، وتركيب متسام لها في مجالها الذهني والتجريبي.

وتنقسم
الخبرة إلى خبرة حسية نلتقطها عن طريق الحواس الظاهرة التي تشكل المصادر الأولى
للمعرفة الحسية، وإلى خبرة باطنة تنتج عن حاسة باطنة، تختص بإنتاج وإدراك
الافتراضات والجواهر التي لا تكون لها صلة مباشرة بعالم المادة؛ وسميناها العقل
الافتراضي – تقول نوال بنبراهيم- الذي يحتوي أصل الافتراضات عامة، ويستفيد من
مبادئ العقل والمنطق، ويبتكر معرفة افتراضية تثبت بذاتها.

وعليه،
فإنه من أجل أن يكون الافتراض مقبولا ، يجب أن يكون ناتجا عن خبرة افتراضية، وأن
يكون قابلا للتعيين أو على الأقل تعيين نتائجه ومتعلقاته. ويهفو إلى الوصول إلى
واقع فردي في المرحلة الأولى، وإلى كفاية موضوعية في المرحلة الثانية.

وزد
على ذلك، فالافتراض يوجد ذاتيا وخياليا ثم خارجيا شبهيا. وبهذا، لا يكون نظاما
مؤقتا، أو خاصية ثانوية؛ وإنما يسعى إلى أن يشمل كل أنشطة الإنسان، ويكون مكتملا.
لذلك، نلاحظ أن الكثير من القوانين الأولية وقعت على أساس افتراضي، وعمت بتعاطف مع
الخبرة.”[77]

هذا، وتركز
الباحثة في الأخير على الصورة الافتراضية، والزمن الافتراضي، والمكان
الافتراضي.  فالصورة الافتراضية من الصعب
موضعتها أو تحديدها بدقة، فهي تتسم بالامتداد والانتشار والحرية والحيوية. وتستفيد
الصورة الافتراضية الركحية من فضاءين متلازمين يمتزج فيهما الفعلان المادي
والافتراضي، “الهنا ” و”هناك”، و”الآن”، والقبل
والبعد: فضاء الخشبة الفارغ ، وفضاء العرض الافتراضي اللامحدود، المخلوق بالحضور،
ويرتبط بالمناظر وقطع الديكور والإضاءة والإكسسوار وتنقلات الممثلين وحركاتهم
وإيماءاتهم ووضعهم الركحي.

¯ المقـــاربة التنظيريــــة:

تسعى المقاربة التنظيرية إلى تقديم مجموعة من التصورات النظرية حول المسرح ممارسة
وتطبيقا ورؤية ووظيفة وأداة، وذلك من خلال التركيز على التأليف المسرحي، وتبيان
طرائق التشخيص، ورصد آليات السينوغرافيا، وعمليات الإخراج. ومن أهم الكتب التي تندرج
ضمن المقاربة التنظيرية ما كتبه عبد الكريم برشيد، ككتابه:” الاحتفالية في
أفق التسعينيات، الاحتفالية إلى أين؟”[78]،

وكتاب:” المسرح الاحتفالي[79]،
وكتاب ” حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي[80]
، وكتاب:”فلسفة التعييد الاحتفالي” [81]،
حيث ينظر عبد الكريم برشيد لنظريته الاحتفالية وفلسفته العيدية نظرية وتصورا ورؤية
ومنهجا ووظيفة، وما كتبه أيضا أحمد ضريف في كتابه:” فلسفة التجاذب في الفن
المسرحي-
نظرية الاستدراك-”[82]،
حيث يعرف بنظريته المسرحية الجديدة ، وهي النظرية الاستدراكية التي تنظر إلى
المسرح من خلال رؤية خاصة ، تدافع عن إنسانية الممثل تشخيصا وكتابة وإخراجا
وتأثيثا. ومن جهة أخرى، يمكن الإشارة إلى كتاب:” الكوميديا الصادمة”
للحسن قناني[83]، حيث يقدم فيه صاحبه تنظيرا  للكوميديا السوداء،
كما تجسدت في المسرح المغربي بصفة عامة، والمسرح بالمنطقة الشرقية بصفة خاصة،
مركزا فيه على خصائصها الموضوعية والفنية والجمالية، راصدا أبعادها المرجعية
والمقصدية والوظيفية.

² المقاربـــة
الدينيــــة:

تستند المقاربة الدينية إلى نقد المسرح في ضوء النصوص الدينية و المعتقد الديني والشرعي،
وقد تكون له علاقة بالمنهج الإسلامي بشكل من الأشكال. ومن أهم الكتب النقدية التي
تندرج ضمن المقاربة الدينية، نذكر كتاب:” إقامة الدليل على حرمة التمثيل
لأحمد بن الصديق، وقد نشر الكتاب بمصر سنة 1941م، لتبيان موقفه الخاص من التمثيل المسرحي،
والذي يتمثل في تحريمه جملة وتفصيلا، وذلك من منطلق فقهي وشرعي. وقد استعرض الدارس
في كتابه مجموعة من الأدلة النصية الشرعية والفقهية على حرمة المسرح بصفة عامة،
والتمثيل الدرامي بصفة خاصة[84].

² المــــــقاربة التــــفكيكيــــة:

تعتمد التفكيكية على القراءة الاستكشافية الداخلية للنص والخطاب، و زحزحة الإشكاليات الأساسية، وتشغيل قراءة الحفر
والتعرية. وبتعبير آخر، تتم عملية التفكيك باكتشاف الأجزاء المهمشة والمخفية
والمطموسة في نص أو خطاب ما،وفرز هذه الأجزاء المخفية، بعد نبشها ونشرها على طاولة
التشريح والتحليل والتقويض، لمعرفة كيف تمارس دورها ضمن البنية العامة للفكر.
و” بالتالي، معرفة  نقاطها الضعيفة
والقوية، الصالحة والطالحة. وعنذئذ، نتوصل إلى إمكانية أكبر وفعالية أكثر في نقد
شروط إنتاج ثقافة معينة والوظائف التي تملؤها هذه الثقافة ، وتقوم بها. إن الهدف
الأقصى للتفكيك يتمثل بإتاحة معرفة أفضل للظواهر البشرية والاجتماعية والتاريخية،
ومعرفة كيف تشكلت وانبنت. كما أنه يقوم بوظيفة تحريرية وتطهيرية مؤكدة.”[85]

ويعني هذا أن التفكيكية تعتمد
على خطوتين إجرائيتين، وهما: التفكيك التشريحي القائم على رصد الاختلافات
والمتناقضات والمعاني المتعددة اللامتناهية، وإعادة تركيبها ليس في ثوابت مقولاتية
أو في شكل قواعد صورية أو بنيات مجردة، كما تفعل البنيوية السردية والسيميوطيقا،
بل تتم إعادة البناء بتقويض كل الدلالات، وتشتيتها تفكيكا وتأجيلا. ومن الكتب
المسرحية التي تندرج ضمن النقد التفكيكي نذكر  كتاب:”الفن المسرحي وأسطورة الأصل
لخالد أمين[86] ،
وذلك على سبيل التمثيل ليس إلا.

² المقــــاربة الببليــــوغرافية:

تستند المقاربة الببليوغرافية إلى أرشفة الإنتاج المسرحي إبداعا ونقدا، مع تشغيل مفاهيم
التأريخ، والتحقيب، والتوثيق، والأرشفة، والتصنيف، والتفسير. ومن ثم، تهدف
المقاربة الببليوغرافية إلى تتبع الإنتاجات المسرحية بالجمع والتأريخ والتوثيق.
ومن أهم الكتب التي تندرج ضمن المقاربة الببليوغرافية كتاب أحمد طنكول” الأدب
المغربي الحديث”،
بحيث خصص صاحبه المسرح المغربي إبداعا ونقدا
بدراسة مستفيضة متميزة وشاملة[87].
ونذكر أيضا كتاب مصطفى رمضاني ومحمد يحيى قاسمي تحت عنوان:” ببليوغرافيا
المسرح المغربي
“، الذي تناول فيه الباحثان تطور المسرح المغربي إبداعا
ونقدا من سنة 1933إلى غاية 2003م[88].

وهناك دراسات أخرى تندرج ضمن المقاربة الببليوغرافية أو التوثيقية كدراسة محمد أديب
السلاوي تحت عنوان:” دليل المسرح المغربي[89]،
وقد نشرت في مجلة الموقف المغربية ، ويتضمن هذا الدليل مسرحيات مغربية نشرت ما بين
1920و1985م. كما أورد مصطفى بغداد في كتابه:” المسرح المغربي قبل الاستقلال
ملحقا ببليوغرافيا فيه كل ما يتعلق بالمسرح المغربي في عهد الحماية من إنتاجات
مسرحية إبداعية ونقدية[90].ويمكن
الإشارة إلى دليل ببليوغرافي آخر ألا وهو كتاب:” مكتبة الأدب الإسلامي
المغربي
” للحسين زروق، والذي يتتبع فيه المسرحيات ذات الطابع الإسلامي من
سنة 1970إلى غاية 2007م[91].
ويمكن الإشارة كذلك إلى كتاب ببليوغرافي في مسرح الطفل لجميل حمداوي تحت
عنوان:” ببليوغرافيا أدب الأطفال بالمغرب[92]،
وقد خصصه بالفصل الثالث من الكتاب، دون أن ننسى ببليوغرافيا العربي بن جلون في
كتابيه:” أدبيات الطفل المغربي”[93]،
و” كتاب الطفل بالمغرب[94]،
ودراسة المهدي الودغيري التي هي تحت عنوان:” النصوص المسرحية المغربية المنشورة
بالصحف والملاحق والمجلات
” ، وذلك من سنة 1959إلى غاية سنة 1989م[95]….

²
المقـــاربة الميتانقديـــة:

ترتكز المقاربة الميتانقدية على ممارسة نقد النقد.أي: تفكر في الدراسات النقدية التي
تحاول تفكيك الكتابات النقدية قضية، ونقدا، ومنهجا، ومصطلحا، مع تقويمها فنيا
وجماليا، والبحث عن علاقة النظرية بالممارسة كما هي معطى في النص النقدي.ويعني هذا
أن المقاربة الميتانقدية تهتم بالفهم، والتفسير، وشرح المبادئ النقدية نظريا
وتطبيقيا في الكتب النقدية. ويمكن الحديث عن مجموعة من الكتب والدراسات التي اهتمت
بنقد النقد في مجال المسرح والدراما، وقد ساهمت هذه الكتب في تقويم الكتب
النقدية التي تعاملت مع الظواهر المسرحية دلاليا وفنيا وجماليا وركحيا. ونستحضر من
بين هذه الكتب : كتاب ” المسرح المغربي من النقد إلى الافتحاص”
لمحمد أبو العلا الذي يتناول فيه مجموعة من الدراسات النقدية بالتحليل والدرس
والفحص والتقويم، باحثا عن الخصائص الدلالية والمنهجية واللغوية والأسلوبية في تلك
الكتب والأسفار النقدية الوصفية[96]
. وهناك كذلك كتاب ” النقد المسرحي العربي” لحسن المنيعي [97]،
بحيث يتتبع فيه صاحبه النقد العربي بمخلف قضاياه واتجاهاته المنهجية والمدرسية.

 

² المقاربــــة الاصطلاحية:

تعتمد هذه المقاربة على رصد المصطلحات المسرحية، وتعريفها في سياقها الدرامي، وتبيان
دلالاتها اللغوية والاصطلاحية، وربط مفاهيمها الدلالية بالدراما والفعل المسرحي.
ومن أهم الكتب التي اهتمت بالمصطلحات المسرحية والمعاجم الدرامية، نذكر:
كتاب:” معجم المصطلحات المسرحية” لأحمد بلخيري الذي يجمع فيه
كثيرا من المصطلحات المسرحية التي كان باتريس بافيس قد أشار إليها في معجمه
المسرحي، بيد أن الكاتب قد أضاف إليه مجموعة من التعليقات والفقرات
والاستشهادات.ومن ثم، يورد الباحث  المصطلح المسرحي بالعربية مع مقابله الفرنسي. وبعد ذلك، ينتقل إلى الدلالات اللغوية والاصطلاحية والمفاهيمية[98].
وللكاتب مؤلف آخر في المصطلحات المسرحية تحت عنوان:” المصطلح المسرحي عند
العرب
[99]،
يتناول فيه الدارس المصطلحات المسرحية في كتب الثقافة العربية القديمة من جهة،
وكتب الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة من جهة أخرى، مع تتبع المصطلح المسرحي لغة
واصطلاحا وسياقا .بمعنى أنه يورد المصطلح المسرحي في نطاقه السياقي والتداولي بالتحليل
والدرس والتفسير والتمثيل والتعليق والتوثيق.

² المقــــاربة الدراماتورجية:

تستند المقاربة الدراماتورجية إلى تحليل الفرجة المسرحية باعتبارها عرضا سينوغرافيا،
وذلك بدراسة مكوناتها الإخراجية ، ورصد آليات التشخيص الدرامي، والتركيز على
مكونات التأثيث، والإشارة إلى الموسيقا والإضاءة والصوت والتشكيل الفضائي، وعلاقة
العرض بالجمهور رصدا وتقبلا وانفعالا وتشابكا، مع تبيان مدارس الإخراج المسرحي
داخل العرض، وتحديد طريقة التشخيص، وتوضيح طبيعة التمثيل. ومن أهم الكتب النقدية
التي تمثلت المقاربة الدراماتورجية كتاب:”في التحليل الدراماتورجي
للبشير القمري[100]،
حيث يقارب الدارس فيه مسرحية:” رحلة العطش” لعبد الحق الزروالي،
وكتاب:”المسرح وفضاءاته” لمحمد الكغاط حيث يقارب مسرحية:” سهرة
أبي خليل القباني
” لسعد الله ونوس، وذلك في ضوء مكوناتها الإخراجية
والسينوغرافية والدراماتورجية[101].
وهناك كتاب آخر يهتم بالتحليل الدراماتورجي، وهو كتاب:”قراءة في النص
المسرحي
” للعزيز محمد ، حيث يدرس فيه الكاتب مختلف الجوانب الدراماتورجية
في النص المسرحي ، كالشخصيات، والأحداث الدارمية، والحوار، والإرشادات الإخراجية،
والعتبات المناصية، والتشخيص، والإخراج، والفضاء الدرامي، واللغة المسرحية[102]،
ويمكن الإشارة كذلك إلى كتاب دراماوتروجي آخر في مسرح الأطفال لجميل حمداوي، وهو
تحت عنوان:”مسرح الطفل بين التأليف والإخراج[103]
، ويستعرض فيه الكاتب مجموعة من الوصفات الإخراجية لمجموعة من الأشكال المسرحية
الطفلية…

²المقاربـــة الإثنوسينولوجيــة:

تدرس الإثنوسينولوجيا (L’ethnoscénologie)
، وذلك حسب جان ماري براديي( Jean-Marie PRADIER)، مختلف
الممارسات الفرجوية والسلوكيات الإنسانية في مختلف ثقافات شعوب العالم، وذلك في
أشكالها المنظمة وصيغها المقننة. أي: إنها تدرس الفرجات الشعبية القديمة والأشكال
التعبيرية الثقافية الأصيلة. وبالتالي، فهي تدرس جميع ثقافات شعوب العالم ذات
الطابع الفلكلوري بدون استثناء، ولاسيما التي لم تعرف فن المسرح بالمفهوم الغربي
لكلمة المسرح. وبتعبير آخر، فالإثنوسينولوجيا مجموعة من الفرجات الفطرية والثقافات
الإثنية المتنوعة، وهي كذلك مجموعة من الأنشطة الإنسانية الحية المتنوعة، ومجمل
الفنون المشهدية الاحتفالية والظواهر البشرية، سواء أكانت فردية أم جماعية، وخاصة التي
يغلب عليها الطابع المشهدي المنظم. وفي إطار هذه الأنشطة والفنون الشعبية، يمكن
الحديث عن الألعاب، والأعياد، والاحتفالات، والطقوس، والحركات الصامتة، والرقص،
والموسيقا، والرياضة، والجسد، والتراجيديا، والكوميديا، والفكاهة ، والأمكنة
الدرامية المفتوحة وفضاءات الهواء الطلق… لأن المسرح الغربي مرتبط في جوهره
بالفضاءات المغلقة، وخاصة العلبة الإيطالية. في حين، يرتبط عرض الفرجات الشعبية
الثقافية بوجود فضاءات احتفالية شعبية مفتوحة. ومن أهم الدراسات والأبحاث التي
تندرج ضمن المقاربة  الإثنوسينولوجية، نذكر:
مقال بشرى شاكر:” نحو مقاربة إثنوسينولوجيا للحلقة”[104]

u مميـــزات النقـــد المسرحي المغربــي:

ثمة مجموعة من الملاحظات التي يمكن رصدها أثناء ممارسة نقد النقد، وهي أن النقد
المسرحي المغربي الحديث والمعاصر مازال يركز  على النص الأدبي، وذلك على حساب العرض المسرحي، باستثناء بعض الدراسات الدراماتورجية
والميزانسينية، كما عند محمد الكغاط، والبشير القمري، ونوال بنبراهيم… كما أن
الأعمال النقدية التي اهتمت بالعرض المسرحي لم تعن بدراسة ما يقدم في الورشة
المسرحية أو ما قبل مرحلة العرض المسرحي، ولم تهتم أيضا بما يحدث بعد العرض
المسرحي من ردود لدى الجمهور، وما يصدر عنه من استجابات تقبلية.

ويلاحظ كذلك أن النقد المسرحي المغربي يميل كثيرا إلى النقد التاريخي ، والنقد الانطباعي،
والنقد التنظيري، والنقد الفني، والنقد السجالي. ومن ثم، فهو في حاجة ماسة إلى
دراسات بنيوية وسيميائية وتداولية ولسانية ودراماتورجية وإثنوسينولوجية لعلمنة
المسرح المغربي نصا وعرضا وفرجة من جهة، كما أن هذا النقد في حاجة شديدة إلى
البلاغة والأسلوبية لمقاربة الصور المسرحية والمشاهد الدرامية من جهة أخرى.

زد على ذلك، يلاحظ على النقد المسرحي المغربي بشكل لافت للانتباه تنوع المناهج والمقاربات
التنظيرية والتطبيقية، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى انفتاح هذا المسرح
على الثقافة الغربية ونظرياته الحداثية وما بعد الحداثية، ناهيك عن تعدد المناهج
النقدية لدى الناقد المسرحي الواحد، إذ ينتقل من منهج إلى آخر، وذلك مع تغير مرجعياته
الثقافية، وتعدد خلفياته المعرفية، كما هو حال حسن المنيعي، وحسن يوسفي، وخالد
أمين، وجميل حمداوي، وعبد الرحمن بنزيدان، ويونس الوليدي، وعز الدين بونيت…

u تطويــر النقـــد المسرحي:

آن الأوان  لتطوير النقد المسرحي العربي بصفة
عامة، والنقد المغربي بصفة خاصة، وتجاوز المقاربات السائدة، كالمقاربة الفنية،
والمقاربة الانطباعية، والمقاربة الصحافية، والمقاربة التاريخية، والمقاربة
المرجعية، واستبدال كل ذلك بالمناهج النصية، ولاسيما المناهج المعاصرة ، سواء أكنت
سيميائية أم تفكيكية أم تداولية أم أسلوبية أم قرائية. والحقيقة أن المنهج الأصلح
لتناول قضايا المسرح العربي ، وتحليل عروضه ونصوصه، هو المنهج السيميولوجي، الذي
يتناول المعطى الدرامي نصا وفرجة تفكيكا وتركيبا، بغية التوصل إلى البنى العميقة
التي تتحكم في العرض المسرحي توليدا وتكونا وبناء، وتحديد آليات الانتقال من
البنية السطحية إلى البنية العميقة تواصلا ودلالة، وذلك من أجل معرفة طرائق انبثاق
المعنى، معتمدين في ذلك على طريقة المستويات والبنى  المنهجية لمعرفة كيفية تشكيل الدلالة النصية في هذا العرض المسرحي.هذا، ويتم التركيز ، في إطار المقاربة السيميائية، على مساراتها
المنهجية ، كالمسار السردي، والمسار التمثيلي، والمسار التصويري، والمسار
التوليدي، والمسار التلفظي.

هذا،وتتطلب المقاربة السيميوطيقية في التعامل مع العرض المسرحي والدرامي
أثناء عمليتي : التفكيك والتركيب البنيويين، الانطلاق  من مجموعة من النصوص المتداخلة والمتراكبة داخل
العرض الميزانسيني، والتي يمكن حصرها في: نص المؤلف، ونص الممثل، ونص المخرج، ونص
السينوغراف، ونص الراصد. ومن ثم، يصعب الإحاطة سيميائيا بكل تلك النصوص الشائكة
والمعقدة.  كما يعد  المسرح
في تركيبته البنائية والجمالية فنا شاملا وأب الفنون . وبالتالي، فهذا يتطلب من السيميوطيقي الإلمام بمجموعة من العلوم والمعارف والفنون والصور، وذلك  للاستهداء بها في أثناء عملية
التشريح والتحليل، كمعرفة تقنيات السينما والموسيقى والأدب والتشكيل والرقص
والنحت، والإلمام أيضا بتقنيات الإضاءة والصورة والسينوغرافيا ودراسة المنظور…

ولا نكتفي بسيميائية الفعل والعمل كما عند كريماص وجوزيف كورتيس ورواد مدرسة باريس، بل ننتقل إلى سيميائية العلامات والرموز لدى بورس، فسيميائية الذات والأهواء  والعواطف والانفعالات كما عند كريماص وجاك فونتانيي، ثم  البحث عن مفاهيم جديدة نظرية
وتطبيقية لمقاربة النصوص والخطابات الاستهوائية. ونضيف إليها سيميائية الكلام
والحوار والتواصل،وسيمائية المرئي والبصري في تشكيل الصور المشهدية والدرامية كما
عند جاك فونتاني(Jacques Fontanille).

ومن جهة أخرى، يمكن الاستعانة أيضا بالمقاربة الإثنوسينولوجية التي ترتكز على مجموعة من المبادئ النظرية والتطبيقية، والتي يمكن حصرها في النقط التالية:

öمقاربة الظواهر الثقافية
الإثنوغرافية، باعتبارها فرجات شعبية ، وممارسات أدائية احتفالية.

öتحديد مكونات الأشكال الفرجوية، وتبيان طرائق اشتغالها، وتتبع تطورها أو نكوصها.

öرصد الأشكال التعبيرية والفرجات المسرحية في أبعادها التاريخية والأنتروبولوجية
والفلسفية ، مع تحديد بنياتها الشكلية، واستخلاص عناصرها البنيوية والسيميائية
الثابتة والمتغيرة، كأن ندرس فن الحلقة بالمغرب مثلا، وذلك بمعرفة تاريخها، ورصد
مكوناتها السيميائية اللفظية وغير اللفظية، وتعرف بناها الفنية والجمالية
والكوريغرافية والإيقاعية، وتحليل خطابها الدلالي، واستقراء أبعادها
الأنتروبولوجية والطقسية والفلسفية، وعلاقة تلك الفرجة الاحتفالية بالإنسان
والمجتمع.

ö البحث عن العلاقات المفترضة بين الأشكال الفرجوية الثقافية بالفن المسرحي، وهل
يمكن اعتبارها رافدا من روافده أم هي شكل فني مستقل له هدفه وكيانه الخاص؟

öمعرفة كيفية استثمار أشكال الفرجات الفطرية أو محتوياتها التراثية، والإفادة من
بعض أجوائها لتطعيم العرض المسرحي بمزيد من الأصالة والثراء والتأسيس.

öالاعتماد على منهجية الملاحظة والإدراك والوصف و التحليل والتأويل، ووصف الأشكال
الفرجوية  بطريقة علمية موضوعية.

öالبحث عن الفني والجمالي والدرامي في تلك
الظواهر الفرجوية الثقافية الأنتروبولوجية، سواء أكانت تلك الظواهر بسيطة
أم مركبة.

öدراسة تلك الفرجات الشعبية الفلكلورية في ضوء مناهج علمية متعددة ومتداخلة، وذلك
من أجل تكوين فهم أدق وأعمق بجماليات الفرجة، ومعرفة طرائق اشتغالها  أداء وعرضا وفضاء وجسدا وتصويتا وتنغيما.

ـالتعامل مع الممارسات الفرجوية الإثنوغرافية، وذلك باعتبارها ظواهر رمزية
وسيميائية، وأشكالا علاماتية تستوجب الوصف والتفكيك والتركيب.

öربط الفرجة الفلكلورية بكل مكوناتها الجسدية والموسيقية والحركية وطقوسها
الأنتروبولوجية والمشهدية.

öالبحث عن مواطن الإبداع والأصالة في تلك الممارسات الفرجوية الشعبية الاحتفالية
ذات البعد اللامادي.

 خلاصــــات تركيبيـــة:

وخلاصة القول، نستنتج، مما سبق قوله، بأن النقد المسرحي المغربي قد عرف منذ ثلاثينيات
القرن العشرين إلى سنوات الألفية الثالثة مجموعة من المراحل التاريخية، وقد
حصرناها في: مرحلة الذوق، ومرحلة المرجع، ومرحلة النص، ومرحلة الصورة، ومرحلة
النظرية، ومرحلة الفرجة، ومرحلة القراءة. كما عرف هذا النقد مجموعة من المقاربات
التطبيقية والمنهجية، كالمقاربة الانطباعية، والمقاربة التاريخية، والمقاربة
السوسيولوجية، والمقاربة الأنطروبولوجية، والمقاربة الإثنوسينولوجية، والمقاربة
التنظيرية، والمقاربة الدراماتورجية، والمقاربة البنيوية، والمقاربة السيميائية،
والمقاربة الببليوغرافية، والمقاربة الاصطلاحية، والمقاربة الفنية، والمقاربة
التاريخية، والمقاربة الدينية، والمقاربة الجمالية، والمقاربة البلاغية…

هذا،
وقد لاحظنا أن النقد المسرحي المغربي يميل كثيرا إلى النقد الانطباعي، والنقد
التاريخي، والنقد الإيديولوجي، والنقد الموضوعاتي….، وذلك على  حساب المناهج النقدية المعاصرة، كالمنهج
البنيوي، والمنهج السيميائي، والمنهج الجمالي، والمنهج اللساني، والمنهج السياقي
التداولي، والمنهج الدراماتورجي…ناهيك عن كونه يمتاز بالتلفيقية المنهجية، ويتسم
بتنوع المناهج، والانفتاح على ثقافة الغرب، وانتقال النقاد من منهج إلى آخر. لذا،
كان من الأفضل مستقبلا أن يتبنى النقد المسرحي المناهج النقدية الموضوعية الأكثر
حداثة وعصرنة ، بغية مقاربة الفرجة المسرحية، وذلك قبل تشكلها، وأثناء عرضها،  وبعد عرضها مباشرة.

 



[1] -
د.جميل حمداوي: السيميولوجيا بين النظرية والتطبيق، الوراق للطبع
والنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2011م.